أحمد بن علي الطبرسي
94
الاحتجاج
قال عليه السلام : يحتاجون إلى دليل ، أن هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك ، وتدور حيث دارت ، متعبة لا تفتر ، وسائرة لا تقف . ثم قال : وأن لكل نجم منها موكل مدبر ، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال . قال : فمن قال بالطبايع ؟ قال : القدرية ، فذلك قول من لم يملك البقاء ، ولا صرف الحوادث ، وغيرته الأيام والليالي ، لا يرد الهرم ، ولا يدفع الأجل ، وما يدري ما يصنع به . قال : فأخبرني عمن يزعم أن الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون ، ويذهب قرن ويجئ قرن ، وتفنيهم الأمراض والأعراض ، وصنوف الآفات ، ويخبرك الآخر عن الأول ، وينبئك الخلف عن السلف ، والقرون عن القرون ، أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس ، بصير بتأليف الكلام ، ويصنف كتابا قد حبره بفطنته ، وحسنه بحكمته ، قد جعله حاجزا بين الناس ، يأمرهم بالخير ويحثهم عليه ، وينهاهم عن السوء والفساد ، ويزجرهم عنه ، لئلا يتهارشوا ، ولا يقتل بعضهم بعضا . قال عليه السلام : ويحك إن من خرج من بطن أمه أمس ، ويرحل عن الدنيا غدا لا علم له بما كان قبله ، ولا ما يكون بعده ، ثم إنه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه ، أو خلقه غيره ، أو لم يزل موجودا ، فما ليس بشئ ليس يقدر أن يخلق شيئا وهو ليس بشئ ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا ، يسئل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه ، ولو كان الإنسان أزليا لم تحدث فيه الحوادث ، لأن الأزلي لا تغيره الأيام ، ولا يأتي عليه الفناء ، مع أنا لم نجد بناء من غير بان ، ولا أثرا من غير مؤثر ، ولا تأليفا من غير مؤلف ، فمن زعم أن أباه خلقه ، قيل : فمن خلق أباه ، ولو أن الأب هو الذي خلق ابنه ، لخلقه على شهوته ، وصوره على محبته ، ولملك حياته ، ولجاز فيه حكمه ، ولكنه إن مرض فلم ينفعه ، وإن مات فعجز